نخبة من الأكاديميين
175
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
مجموعة من النوازل من النظر إليهم نظرة دونية عند استعمال ماء مشترك أو عند السكن معهم في حي واحد « 1 » . لقد تمكن اليهود بفعل التعايش السلمي في المجتمع الأندلسي من تبوء مناصب إدارية ومالية وساعدوا الحكام في عدد من المهام غير أن كونهم ذميين وتصرفات عدد منهم في المهام التي أسندت إليهم تسببت لهم في مشاكل خطيرة في علاقاتهم مع الرعية المسلمة وهذا ما قد يفسر وجود علاقة بين مناصبهم هذه وكره الرعية لهم . فهذا التوتر في العلاقات لم يكن بسبب كونهم يهودا لأننا نعرف الترابط الذي كان بينهم وبين المسلمين وإنما كان بسبب تدبيرهم في المناصب التي أسندت إليهم . وسننطلق هنا مما حدث لابن النغريلة ولليهود في غرناطة . إن أي تفسير لما حدث لليهود في غرناطة بشكل استثنائي لا يمكن أن يستقيم إلا إذا تناولناه من جميع جوانبه ولم نقتصر على النظر إلى النتائج فقط . كانت الفترة التي حدث فيها الأمر فترة تمزق سياسي أثر بشكل خطير على المجتمع الأندلسي من حيث توفير الأمن والاستقرار وصد العدوان الخارجي الذي غدا يؤثر بشدة على البلاد والعباد رعية وحكاما . واشتط ملوك الطوائف في الجبايات بسبب بذخهم وتوفير الأموال لجندهم أو لتقديم الجزية لألفونسو السادس « 2 » . ضمن هذا الإطار التاريخي حدث ما حدث لابن النغريلة وليهود غرناطة . وتظافرت في الحادث نفسه أمور متعددة تطورت تدريجيا في إطار المناخ السياسي الذي كانت تعيشه الأندلس وأسفرت عن الثورة ضد يهود غرناطة . فساهم اضطراب نظام الحكم والوضعية الداخلية لغرناطة وتصرفات يوسف بن النغريلة ومن قبله أبوه إسماعيل في ما حصل من فساد بين مسلمي ويهود البلاد « 3 » . استطاع إسماعيل بن النغريلة بدهائه ومداراته أن يحصل على حظوة خاصة عند حاكم غرناطة باديس بن حبوس « 4 » . وتمكن من ذلك بعد وفاة رئيس الكتاب الذي كان إسماعيل يعمل عنده ثم حدث في ما بعد أن أفشل مؤامرة قتل باديس « 5 » . ويتضح أن المصلحة السياسية لحاكم غرناطة جعلته يسند إليه أمور الحكم وجباية الأموال وهو ما يؤكده حفيد باديس بقوله : " وكان في اليهودي من الكيس والمدارات ما طابق الزمان الذي كانوا فيه والقوم الذين يرمونهم " « 6 » زيادة على علمه الواسع في مجالات عدة وإتقانه للغة العربية وحسن مداراته السياسية « 7 » . واستنادا لما يرويه عبد الله ابن بلقين « 8 » اتبع إسماعيل سياسة حذرة في تعامله مع مسلمي غرناطة التي كانت تضم أعدادا كبيرة من اليهود . ولم يتمكن إسماعيل من السير على هذا النحو فنجده يتخذ من أهل ملته عمالا وإداريين استغلوا مناصبهم " واستطالوا على المسلمين " « 9 » . ولاشك أن بوادر التذمر من سياسة باديس ووزيره اليهودي الذي أضحى يتمتع بسلطة مطلقة في جميع شؤون الدولة أخذت تتصاعد ضد اليهود منذ هذه الفترة . أما عن علاقة إسماعيل بالمسلمين فلم يكن الحاكم الزيري غافلا عن خطورة هذا الأمر وما قد يسببه من مشاكل ليس لليهود فحسب بل للسلطة الحاكمة أيضا . فكان يتدخل لإبقاء تلك العلاقة
--> ( 1 ) - أنظر القادري ( 1998 ) ، مباحث في التاريخ الاجتماعي للمغرب والأندلس خلال عصر المرابطين ، بيروت ، دار الطليعة ، ص 101 . ( 2 ) - أنظر على سبيل المثال ابن رشد ، فتاوى ، ج 1 ، ص 605 ؛ البرزلي ، ج 1 ، ص 334 وص 467 ، ج 5 ، ص 11 ، ج 6 ، ص 195 ؛ الونشريسي ، ج 8 ، ص 433 - 434 ، وص 437 . ( 3 ) - الفونسو السادس هو الفونس بن مردناند الأول . 465 - 502 ه - / 1072 - 1101 م . قسم فرناندو أو فردلند مملكته قبل وفاته بين إبنائه الثلاثة فأعطى لابنه الأكبر شانجه قشتالة ولأفونسو ليون وأشتريش وغارسية جيليقية والبرتغال . فاشتعلت الحرب بين الإخوة وانتهى الصراع بأن تمكن ألفونسو بمساعدة أخته أوراكا أن يوحد مملكة أبيه تحت سلطته . وهو الذي استولى على طليطلة سنة 478 ه - / 1058 م وانهزم في معركة الزلاقة المشهورة سنة 479 ه - / 1086 م . وقتل ابنه شانجة في معركة أقليش ضد المرابطين سنة 501 / 1108 ؛ عنان ( 1988 ) دول الطوائف ، ص 389 - 395 . ( 4 ) - أنظر أيضا ما تقدمه عن الحادث مريم قاسم الطويل ( 1994 ) ، مملكة غرناطة في عهد بني زيري ، الدار البيضاء ، مكتبة الوحدة العربية ، بيروت دار الكتب العلمية ، ص 149 - 159 . ( 5 ) - باديس بن حبس بن ماكسن بن زيري ( 429 - 467 ه - / 1037 - 1074 م ) ويلقب بالمظفر أحد ملوك غرناطة في عصر الطوائف . دخل في طاعة بني حمود بمالقة ثم انقلب عليهم واستولى على إمارتهم . ودخل في صراع مع ملوك المرية ومع ملوك إشبيلية . تميز بغلظة وقسوة ، واشتهر بمعاقرته الخمر خاصة بعد اغتيال ابنه بلقين ؛ انظر على سبيل المثال : ابن بلقين عبد الله ، كتاب التبيان ، تحقيق أمين توفيق الطيبي ، الرباط ، منشورات عكاظ ، 1995 ، ص 67 - 98 ؛ ابن سعيد ، المغرب ، ج 2 ، ص 107 ، ابن الخطيب ، الإحاطة ، ج 1 ، ص 435 - 442 ؛ ابن عذاري ، البيان ، ج 3 ، ص 262 - 267 ؛ عنان محمد عبد الله ( 1988 ) ، دول الطوائف ، القاهرة ، مكتبة الخانجي ، ط 3 ، ص 127 - 142 ؛ الطويل ( 1994 ) ، مملكة غرناطة ، ص 119 - 169 . ( 6 ) - ابن بلقين ، التبيان ، ص 67 - 69 ؛ عباس إحسان ، رسائل ابن حزم ، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1987 ، ج 3 ، ص 9 - 10 ؛ عنان محمد عبد الله ( 1988 ) دول الطوائف ، ص 133 . ( 7 ) - ابن بلقين ، ص 68 . ( 8 ) - ابن الخطيب لسان الدين ، الإحاطة في أخبار غرناطة ، القاهرة ، ط 2 ، 1973 ، ج 1 ، ص 438 . ( 9 ) - عبد الله بن بلقين بن حبوس آخر ملوك غرناطة في عصر الطوائف ( 467 - 483 ه - / 1074 - 1090 م ) هو حفيد باديس بن حبوس . ألف كتاب التبيان ، وهو عبارة عن مذكراته الخاصة ، تناول فيه الفترة التي عايشها إلى غاية توحيد المرابطين للأندلس . وقد سلم عبد الله بن بلقين غرناطة للمرابطين دون قتال ، ورحل إلى المغرب واستقر بأغمات ، وأغدق عليه يوسف بن تاشفين أعطيات خاصة ؛ انظر على سبيل المثال : عبد الله بن بلقين نفسه في كتابه التبيان ؛ ابن الخطيب ، الإحاطة ، ج 3 ، ص ، 379 - 381 ؛ عنان ( 1988 ) دول الطوائف ، ص 142 - 146 ، الطويل ( 1994 ) مملكة غرناطة ، ص 171 - 239 .